لم تكن حضارات بلاد ما بين النهرين مجرّد محطات عابرة في التاريخ، بل شكّلت أحد أهم المنابع التي تدفقت منها المعرفة نحو العالم. وفي قلب هذه الجغرافيا الغنية، برزت مدينة الرها—التي تُعرف اليوم بأورفا—كمركز إشعاع علمي وثقافي لا يمكن تجاوزه. فمهما تغيّرت الأسماء وتبدّلت السياسات، تبقى جذور الحضارات حيّة، عصيّة على الاقتلاع.
بين القرنين الثاني والثالث الميلاديين، بدأت الرها تتحول إلى حاضنة للعلم والمعرفة، مع نشوء ما عُرف لاحقاً بـ مدرسة الرها، وهي من أقدم المؤسسات التعليمية في الشرق المسيحي. لم تكن هذه المدرسة مجرد مركز ديني، بل تطورت لتصبح فضاءً فكرياً واسعاً، استقطب طلاب العلم من مختلف المناطق، وساهم في تشكيل تقاليد معرفية عميقة الجذور.
تميّزت مدارس الرها بانفتاحها على مختلف مجالات المعرفة؛ فقد احتضنت دراسة اللاهوت إلى جانب الأدب والفلسفة والعلوم. وكان للغة السريانية دور محوري، إذ أصبحت وسيلة لنقل التراث اليوناني إلى الشرق، عبر حركة ترجمة نشطة ساهمت في حفظ هذا التراث وإعادة إنتاجه. ومن أبرز أعلام هذا التقليد العلمي أفرام السرياني، الذي جمع بين الشعر واللاهوت، ونرساي، الذي عُرف بدوره في تطوير التعليم السرياني لاحقاً.
وقد لعبت هذه المدارس دوراً مهماً في بناء ما يمكن وصفه بـ”جسر معرفي” بين العالم اليوناني والشرق. فمن خلال الترجمة والتفسير، انتقلت الفلسفة والعلوم إلى السريانية، ومنها إلى العربية في مراحل لاحقة، لتُسهم في ازدهار الحركة العلمية في العصور الإسلامية، خاصة في مراكز كبرى مثل بغداد ودمشق.
ركزت مدارس الرها بشكل خاص على تفسير الكتاب المقدس، لكن هذا التفسير لم يكن جامداً. بل حمل أبعاداً روحية وفكرية عميقة. فقد سعت إلى الجمع بين الإيمان والعقل، وإلى تقديم قراءة تُخاطب الإنسان في بحثه عن المعنى. ولهذا، لم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت أيضاً فضاءات لتكوين رؤية للعالم، يسعى من خلالها طلابها إلى فهم أعمق للإنسان والوجود.
ومع مرور الزمن، أصبحت الرها مقصداً للطلاب والباحثين عن المعرفة، حيث كانوا يقطعون مسافات طويلة للوصول إليها. هناك، لم يتلقّوا العلم فحسب، بل حملوا معهم أيضاً رسالة فكرية وثقافية، ساهمت في نشر قيم الحوار والتلاقي بين الحضارات. ورغم أن إغلاق مدرسة الرها سنة 489م شكّل نقطة تحوّل مهمة، فإن تأثيرها لم يتوقف، بل انتقل إلى مراكز أخرى مثل مدرسة نصيبين، التي واصلت هذا الإرث وطورته.
في المحصلة، لم تكن مدارس الرها مجرد صفحة في التاريخ، بل كانت تجربة حضارية متكاملة، أسهمت في بناء جسور العلم بين الثقافات، ورسّخت دور الشرق كمشارك فاعل في إنتاج المعرفة الإنسانية. إنها تذكير حيّ بأن الحضارات لا تُقاس بعمرها الزمني فقط، بل بقدرتها على التأثير والاستمرار.
كاتب المقالة : سردار شريف















