أكيتو
الذاكرة المشتركة وآفاق العيش المشترك
بقلم طلال محمد
مع حلول عيد أكيتو، رأس السنة السريانية الآشورية ٦٧٧٦، نقف أمام لحظة تاريخية متجددة تختزن في طياتها آلاف السنين من الذاكرة الإنسانية، إنه عيدٌ يتجاوز البعد الزمني، ليغدو تعبيراً عن الاستمرارية الحضارية لشعبٍ كان في قلب نشوء أولى الحضارات في بلاد ما بين النهرين، وساهم في تشكيل الوعي الإنساني المبكر من خلال اللغة والكتابة والتنظيم الاجتماعي.
أكيتو في جوهره هو عيد الانبعاث، ارتبط منذ نشأته بدورة الطبيعة وتجدد الحياة، حيث كانت المجتمعات الزراعية القديمة ترى فيه بدايةً لسنةٍ جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض، إلا أن هذا المعنى لم يبقَ ثابتاً، بل تطوّر عبر التاريخ ليحمل دلالات أعمق، خصوصاً في ظل ما تعرض له الشعب السرياني الآشوري من تحولات قاسية ومحاولات متكررة للمحو والتهميش، وهكذا أصبح أكيتو رمزاً للصمود ووسيلةً لإعادة إنتاج الهوية في وجه الانكسارات.
في السياق المعاصر يكتسب هذا العيد بعداً سياسياً وثقافياً واضحاً، إذ لم يعد الاحتفال به مجرد إحياءٍ للتراث بل هو تأكيد على الوجود والحقوق وعلى رفض الذوبان في مشاريع الإقصاء، إن رفع الرموز وإحياء اللغة وممارسة الطقوس المرتبطة بأكيتو، كلها تشكل فعلاً واعياً للحفاظ على الذات الجماعية، وعلى استمرارية التاريخ في الحاضر.
غير أن أهمية أكيتو لا تنحصر في الإطار السرياني الآشوري فقط، بل تتقاطع مع تجارب شعوب أخرى في المنطقة وفي مقدمتها الشعب الكردي، فكلا الشعبين ينتمي إلى الجغرافيا ذاتها وعاشا عبر التاريخ في فضاء مشترك، تأثرا ببعضهما البعض وتقاسما لحظات الازدهار كما تقاسما فترات القمع والإنكار وإذا كان أكيتو يمثل رمزاً للهوية السريانية الآشورية، فإن عيد نوروز يشكل بدوره رمزاً مركزياً للهوية الكردية، حيث يلتقي العيدان في دلالاتهما العميقة المرتبطة بالتحرر والتجدد والانبعاث.
إن هذا التشابه ليس مجرد مصادفة ثقافية، بل يعكس بنيةً أعمق من التفاعل التاريخي بين الشعبين، فكلاهما واجه سياسات الإقصاء، وكلاهما سعى للحفاظ على لغته وثقافته في ظروف معقدة، وكلاهما ما زال يناضل من أجل الاعتراف بحقوقه ضمن أنظمة سياسية لم تستوعب بعد مفهوم التعددية بشكل كامل، ومن هنا فإن الربط بين أكيتو ونوروز يفتح أفقاً لفهم مشترك يقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى بناء علاقات تضامن قائمة على المصير المشترك.
لقد أظهرت التجارب الحديثة، خصوصاً في شمال وشرق سوريا، أن إمكانية التعايش بين الكرد والسريان الآشوريين ليست مجرد فكرة نظرية، بل واقع يمكن تعزيزه وتطويره، ففي هذه الجغرافيا برزت نماذج لإدارة مشتركة حاولت أن تستوعب التنوع، وأن تخلق توازناً بين الهويات المختلفة رغم كل التحديات، وهذا ما يمنح عيد أكيتو بعداً إضافياً، إذ يصبح مناسبة ليس فقط للاحتفاء بالهوية الخاصة، بل أيضاً لتأكيد الشراكة مع الآخرين
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه شعوب المنطقة اليوم لا يكمن فقط في الحفاظ على هوياتها، بل في قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للصراع، وأكيتو بما يحمله من رمزية تاريخية، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لحوار أعمق حول معنى الانتماء، وحول إمكانية بناء مستقبل مشترك يقوم على الاعتراف والاحترام المتبادل
سوف يظل أكيتو رسالةً مفتوحة إلى المستقبل، رسالة تقول إن الشعوب التي تمتلك ذاكرة حية لا تموت، وإن الهوية التي تتجدد قادرة على مواجهة كل التحديات، وهو أيضاً دعوة لتجديد الروابط بين شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعبان السرياني الآشوري والكردي، على أساس تاريخي مشترك، ومعاناة مشتركة، وأملٍ مشترك في غدٍ أكثر عدلاً وتوازناً.
كل عام وأكيتو يحمل معه معنى البقاء، ومعنى الشراكة، ومعنى الحياة التي لا تنطفئ.















