أَكِيتُو: بَعْثُ الحَضَارَةِ وَقِيَامَةُ الذَّاكِرَةِ الرافِدِينِيَّةِ
بِقَلَمِ: الشَّاعِرِ وَالبَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ فُؤَاد زَادِيكي
إِلَى أَبْنَاءِ شَعْبِنَا السُّريَانِيِّ الآشُورِيِّ الكَلْدَانِيِّ، حَمَلَةِ مَشَاعِلِ التَّمَدُّنِ الأُولَى وَوَرَثَةِ أمْجَادِ بَابِلَ وَآشُورَ العَرِيقَةِ فِي كُلِّ أَصْقَاعِ المَعْمُورَةِ، نُحَيِّيكُمْ بِنَفَحَاتِ نَيْسَانَ الَّذِي كَانَ وَسَيَبْقَى عَهْدَ التَّجَدُّدِ وَالانْبِعَاثِ. إِنَّ عِيدَ “أَكِيتُو” لَيْسَ مُجَرَّدَ وُقُوفٍ عَلَى أَعْتَابِ زَمَنٍ مَضَى، بَلْ هُوَ فِعْلُ وُجُودٍ يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ اِعْتِدَالٍ رَبِيعِيٍّ، حَيْثُ تَنْطِقُ الأَرْضُ بِسِرِّ الخَلْقِ السُّومَرِيِّ القَدِيمِ “أَكِي-تِي” لِتُعْلِنَ بَدْءَ بَذْرِ الشَّعِيرِ وَبَذْرِ الأَمَلِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. تَعُودُ بِنَا الذَّاكِرَةُ إِلَى تِلْكَ الأَيَّامِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَقَدَّسَةِ فِي مَدَائِنِ النَّهْرَيْنِ، حَيْثُ كَانَتِ المَدِينَةُ تَغْسِلُ رُوحَهَا بِصَلَوَاتِ “الشِّيشْغَالُو” قَبْلَ بُزُوغِ الفَجْرِ، وَتَتْلُو “إِينُومَا إِيلِيش” لِتُذَكِّرَ البَشَرِيَّةَ بِأَنَّ النِّظَامَ يَهْزِمُ الفَوْضَى دَائِماً، وَفِي مَشْهَدٍ تَهْتَزُّ لَهُ القُلُوبُ، كَانَ المَلِكُ يَخْضَعُ لِطُقُوسِ التَّوَاضُعِ وَالِاعْتِرَافِ أَمَامَ الإِلَهِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الحُكْمَ أَمَانَةٌ وَالعَدْلَ أَسَاسُ البَقَاءِ، مِمَّا يَجْعَلُ مِنْ أَكِيتُو دُسْتُورًا أَخْلَاقِيًّا لَمْ تَعْرِفْ مِثْلَهُ الأُمَمُ الغَابِرَةُ. لَمْ يَكُنِ المَوْكِبُ المَهِيبُ الَّذِي يَنْطَلِقُ نَحْوَ بَيْتِ أَكِيتُو خَارِجَ الأَسْوَارِ مُجَرَّدَ مَرَاسِمَ دِينِيَّةٍ، بَلْ كَانَ تَعْبِيرًا عَنْ خُرُوجِ الحَيَاةِ مِنْ عَتْمَةِ الشِّتَاءِ إِلَى نُورِ الفِعْلِ، وَمُشَارَكَةَ الآلِهَةِ القَادِمَةِ مِنْ مَدَائِنِ بِيْث نَهْرِين لِصِيَاغَةِ مَصَائِرِ العَامِ الجَدِيدِ بِالوُدِّ وَالوِئَامِ. وَاليَوْمَ، نَحْنُ نَحْمِلُ هَذَا الإِرْثَ الثَّقِيلَ وَالمُقَدَّسَ، فَنَرَى فِي نَيْسَانَ وَجْهَ أُمَّتِنَا الَّتِي لَا تَمُوتُ، نَرَى فِيهِ صُمُودَ أَدْيِرَتِنَا وَكَنَائِسِنَا فِي أزخ وَالجَزِيرَةِ، وَنَسْمَعُ فِي هَدِيرِ نَهْرَيْ الخَابُورِ وَدِجْلَةَ صَدَى أَشْعَارِنَا وَأَبْحَاثِنَا الَّتِي تُوَثِّقُ لِلْعَالَمِ أَنَّنَا لَسْنَا طَارِئِينَ عَلَى هَذِهِ الجُغْرَافِيَا، بَلْ نَحْنُ أَهْلُ الدَّارِ وَحُرَّاسُ الحَضَارَةِ. إِنَّ دَعْوَتَنَا لَكُمْ فِي هَذَا العِيدِ العَظِيمِ هِيَ دَعْوَةٌ لِلتَّمَسُّكِ بِالهُوِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَتَوْثِيقِ الحُقُوقِ التَّارِيخِيَّةِ، لِيَظَلَّ أَكِيتُو رَمْزًا لِلْوَحْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الشَّتَاتَ، وَمَنَارَةً تُضِيءُ لِلأَجْيَالِ دَرْبَ المَعْرِفَةِ بِأَنَّ كُلَّ رَبِيعٍ يَأْتِي هُوَ وَعْدٌ بِقِيَامَةٍ جَدِيدَةٍ لِشَعْبِنَا الأَصِيلِ، فَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِأَلْفِ خَيْرٍ، وَلْتَبْقَ رَايَاتُ أَكِيتُو خَفَّاقَةً فِي سَمَاءِ مَجْدِنَا الَّذِي لَا يَغِيبُ.















