السيفو… الذاكرة السريانية المؤلمة
الشعوب الأصيلة في بلاد ما بين النهرين لا يمكن تجريدها من جذورها، ولا من هويتها وثقافتها وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين. فهي شعوب تمتلك أرضاً ولغاتٍ وقلاعاً وذاكرةً أقدم بكثير من معظم الكيانات السياسية الحديثة في الشرق الأوسط. والسريان، رغم ما تعرضوا له من قتل وتهجير وتشتيت، ما زال قلبهم ينبض بالحياة، وما زالت لغتهم وصلواتهم وتقاليدهم تنتقل من جيل إلى آخر، شاهدةً على حضورٍ لم تستطع المجازر ولا المنافي محوه.
ولهذا تبقى الذاكرة السريانية مثقلةً بسنوات الشتات، وبقصص الأجداد القادمين من طور عابدين وديار بكر (آمد) والموصل وسائر مدن وقرى بلاد ما بين النهرين. قصص تختلط فيها الحكايات بالألم، وتحمل بين سطورها مشاهد القتل والجوع والخوف والاقتلاع. فقد شهدت تلك المرحلة واحدةً من أكثر الفترات دمويةً في تاريخ المنطقة، حين تزامنت مجازر السريان مع مجازر الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، فتعرض الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ لحملات قتل وتهجير ممنهجة، استهدفت وجودهم الإنساني والحضاري معاً.
لكن ما حدث في عام السيفو لم يكن مجرد أحداث عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل كان محاولةً لاقتلاع شعبٍ كامل من ذاكرته وجغرافيته وتاريخه. أُحرقت القرى، وهُدمت الكنائس والأديرة، وسارت قوافل التهجير الطويلة في طرق الموت والجوع والخوف. كثيرون لم يصلوا إلى وجهتهم، وكثيرون لم يحملوا معهم سوى اللغة والصلاة وبعض المفاتيح القديمة التي تحولت لاحقاً إلى رموزٍ لوطنٍ ضائع وبيوتٍ لم يعودوا إليها.
ورغم مرور أكثر من قرن على تلك المأساة، ما تزال آثار السيفو حيّةً في الوجدان السرياني. فقلّما تخلو عائلة من رواية فقدان أو نجاة؛ جدّ اختفى في طرق التهجير، أمّ فقدت أبناءها، أو طفل نجا وحيداً ليبدأ حياةً جديدة في المنفى. وهكذا تحولت الذاكرة الجماعية إلى جزءٍ أساسي من الهوية السريانية، ليس بدافع الانتقام أو تأجيج الكراهية، بل حفاظاً على الحقيقة ومنعاً لتكرار المأساة مع شعوبٍ أخرى.
لقد تشتّت السريان في أنحاء العالم، من سوريا والعراق ولبنان إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا، لكنهم حملوا معهم لغتهم السريانية وتراثهم الكنسي وأغانيهم الشعبية وحكاياتهم القديمة. بقيت الأديرة العتيقة في طور عابدين، والصلوات المرتلة باللغة الآرامية، شاهدةً على حضارةٍ عريقة ساهمت عبر قرون طويلة في نقل العلوم والفلسفة والطب والترجمة، وكانت جسراً حضارياً بين الشرق والغرب.
واليوم، لا يطالب السريان سوى بالاعتراف بآلامهم التاريخية، وبحماية وجودهم وحقوقهم الثقافية والإنسانية في أوطانهم الأصلية. فالاعتراف بالمجازر ليس دعوةً لإحياء الأحقاد، بل خطوةٌ نحو العدالة وصون الكرامة الإنسانية. لأن الشعوب التي تُجبر على نسيان ماضيها تبقى دائماً عرضةً لتكرار المأساة نفسها.
إن السيفو ليست مجرد ذكرى عابرة في كتب التاريخ، بل جرحٌ مفتوح في ذاكرة شعبٍ ما زال يقاوم الاندثار بالإيمان واللغة والانتماء. وما دام هناك من يتحدث السريانية، ومن يروي حكايات الأجداد، ومن يضيء شمعةً لذكرى الضحايا، فإن هذا الشعب لم يُهزم، ولن تختفي هويته مهما تبدلت الأزمنة والخرائط.
بقلم الكاتب سردار شريف














